من معان نكتب هذا الأسبوع عن واحد من أبنائها الذين حملوا اسمها معهم في مسيرة طويلة من العمل والمسؤولية، ثم بقيت معان حاضرة في وجدانهم بعد انتهاء الموقع والمنصب، اللواء المتقاعد الباشا أسامة الطحان، أحد رجالات المحافظة الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة الدولة، وعرفه الكثيرون بهدوئه وحضوره وقربه من أهله وأبناء مدينته.

والحديث عن الباشا أسامة الطحان لا يتوقف عند المناصب التي شغلها أو الرتبة التي وصل إليها، فالمناصب مهما طالت تنتهي، وما يبقى في النهاية هو سيرة الرجل بين الناس، وطريقة تعامله معهم، ومدى قربه منهم حين يكون في موقع المسؤولية وبعد أن يغادره. ولعل هذا الجانب تحديداً هو ما يستحق الوقوف عنده في شخصيته، فقد بقي قريباً من معان وأهلها، يتابع قضاياها، ويستمع لأبنائها، ويقدم ما يستطيع من مشورة ومساعدة وخبرة متى كان لذلك سبيل.

أمضى الباشا سنوات طويلة في العمل في دائرة المخابرات العامة، وهي من المؤسسات الوطنية التي تقوم طبيعة عملها على المسؤولية والانضباط والدقة وحماية أمن الدولة ومصالحها، وتدرج خلال مسيرته في مواقع المسؤولية حتى وصل إلى رتبة اللواء. ومثل هذه المسيرة لا تختصرها رتبة أو وظيفة، فهي سنوات طويلة من العمل الذي غالباً ما يكون بعيداً عن الأضواء، ومن المسؤوليات التي تتطلب قدراً كبيراً من الانضباط والقدرة على التعامل مع الملفات والناس والظروف المختلفة.

لكن ما يهمنا في «شخصية الأسبوع» ليس فقط ما كان عليه الرجل خلال سنوات الوظيفة، وإنما ما بقي عليه بعدها. ففي كثير من الأحيان يكشف انتهاء المنصب حقيقة علاقة الإنسان بالناس؛ فهناك من تنتهي علاقته بالمجتمع عندما ينتهي موقعه، وهناك من يبقى بيته وهاتفه وخبرته متاحة لمن يقصده، والباشا أسامة الطحان من الشخصيات التي بقيت علاقتها بمعان وأهلها قائمة على التواصل والاهتمام.

فمعان بالنسبة لأبنائها ليست عنواناً في الهوية أو مكاناً للولادة فقط، بل انتماء ومسؤولية وذاكرة وأهل لا تنقطع الصلة بهم مهما ابتعدت المسافات أو ارتفعت المواقع. ومن يعرف الباشا عن قرب يعرف مقدار اعتزازه بمعان واهتمامه بشؤونها وحرصه على أن تنال المحافظة ما تستحقه من مشاريع وفرص تنموية.

ولعل من الصفات التي تميز تجربته بعد التقاعد أنه لم يحتفظ بالخبرة التي اكتسبها لنفسه، بل بقي يقدم المشورة والمساعدة في الكثير من القضايا التي تهم أبناء المحافظة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع أو أفكار استراتيجية يمكن أن يكون لها أثر على مستقبل معان وأبنائها. وهذه مسألة مهمة، لأن المحافظات لا تحتاج فقط إلى التمويل والمشاريع، وإنما تحتاج أيضاً إلى رجال يملكون الخبرة والعلاقات والمعرفة بطبيعة مؤسسات الدولة، ويستطيعون أن يقدموا الرأي والنصيحة ويساعدوا في إيصال الفكرة إلى المكان الصحيح.

والمشورة الصادقة أحياناً تكون أهم من أي مساعدة أخرى، خصوصاً في المشاريع الكبرى التي تحتاج إلى فهم للواقع، ومعرفة بكيفية عمل المؤسسات، وقدرة على قراءة الفرص والتحديات. وعندما يضع صاحب الخبرة ما تعلمه خلال سنوات طويلة في خدمة مدينته، فإنه يقدم لها شيئاً قد لا يظهر للناس مباشرة، لكنه يكون مهماً في الوصول إلى نتيجة أو حل أو فتح باب كان مغلقاً.

وقد عرف عنه أيضاً قربه من الناس ومساعدته لمن يقصده ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، بعيداً عن الضجيج والإعلان. وهذه صفة يعرف قيمتها أهل معان جيداً؛ فالرجل عندهم لا يقاس بكثرة ما يتحدث عن نفسه، وإنما بما يفعله عندما يقصده صاحب حاجة، وبالكلمة التي يقولها عندما تطلب منه المشورة، وبالموقف الذي يتخذه عندما يكون قادراً على المساعدة.

وفي مجتمعاتنا تبقى هذه العلاقات لها مكانتها الخاصة، فالناس تعرف بعضها جيداً، وتحفظ المواقف لسنوات طويلة، وتفرق بين من كان قريباً منها في أيام المسؤولية فقط وبين من بقي قريباً منها في كل الأحوال. ولهذا فإن المكانة الاجتماعية لا تصنعها الألقاب وحدها، وإنما تصنعها أيضاً المواقف والوفاء والعلاقة الطيبة مع الناس.

ومن الجميل في تجربة الباشا أسامة الطحان أنه واحد من أبناء معان الذين وصلوا إلى مواقع متقدمة في مؤسسات الدولة دون أن يتحول الموقع إلى حاجز بينهم وبين مدينتهم. فالنجاح الحقيقي لابن المحافظة لا يكتمل بمجرد وصوله إلى موقع مهم، وإنما يكتمل عندما يحمل معه هموم أهله ويستخدم ما اكتسبه من معرفة وخبرة لمساعدتهم عندما يستطيع.

ومعان بحاجة دائماً إلى خبرات أبنائها، سواء كانوا في الخدمة أو بعد التقاعد. فبين أبناء المحافظة ضباط كبار ووزراء وأعيان ونواب وأطباء ومهندسون وأساتذة جامعات ورجال أعمال وموظفون اكتسبوا خبرات واسعة في مؤسسات مختلفة، وهذه الخبرات تمثل ثروة حقيقية إذا اجتمعت حول هدف واحد هو خدمة المحافظة ودعم مشاريعها وفتح الفرص أمام شبابها.

ونحن بحاجة إلى ترسيخ فكرة أن التقاعد من الوظيفة لا يعني التقاعد من خدمة الوطن أو المدينة. قد ينتهي القرار الرسمي، لكن خبرة عشرات السنوات لا تنتهي معه، ومن الجميل أن نرى أصحاب الخبرة يواصلون تقديمها للمجتمع، وأن يلجأ إليهم الشباب وأصحاب المبادرات والمؤسسات للاستفادة من تجربتهم ورؤيتهم.

وللباشا أسامة الطحان حضور اجتماعي بين أبناء معان أيضاً، فهو قريب من مناسباتهم وأفراحهم وأتراحهم، ويحافظ على الصلة بأهله ومدينته، وهذه أمور قد تبدو عادية، لكنها في مجتمعاتنا تحمل معنى كبيراً. فالكبير يبقى كبيراً بقربه من الناس وليس بابتعاده عنهم، والرجل يحفظ مكانته بتواضعه واحترامه للآخرين أكثر مما يحفظها باللقب الذي يسبق اسمه.

وعندما نتحدث عن شخصية خدمت في مؤسسة أمنية لسنوات طويلة، فإننا نتحدث أيضاً عن مدرسة قامت على الانضباط وحفظ المسؤولية وخدمة الدولة، وعن تجربة تراكمت عبر سنوات من العمل في ظروف وملفات مختلفة. ومثل هذه الخبرات من المهم أن يستفيد منها المجتمع، خصوصاً في مرحلة تحتاج فيها معان إلى التفكير بصورة استراتيجية في مستقبلها الاقتصادي والتنموي، والاستفادة من موقعها وإمكاناتها ومشاريعها الكبرى.

ومعان اليوم أمام فرص مهمة، وما تحتاجه هو تكاتف أبنائها جميعاً، كل من موقعه وبحسب قدرته؛ صاحب القرار من موقعه، ورجل الأعمال باستثماره، والخبير برأيه، والشاب بفكرته وعمله، ومن يملك علاقات وخبرة بأن يفتح الباب ويساعد صاحب الفكرة الصادقة على الوصول. وهنا يصبح الانتماء فعلاً وليس مجرد كلمات.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن الإنسان بعد مسيرة طويلة في المسؤولية هو أنه لم يتغير على أهله، ولم ينسَ المكان الذي خرج منه، وبقي عندما يطرق بابه أحد قادراً على الاستماع والنصيحة والمساعدة. فالرتب والمواقع جزء من السيرة، أما الذكر الطيب والعلاقة مع الناس فهما الجزء الذي يبقى منها.

ونحن في «شخصية الأسبوع» عندما نكتب عن الباشا أسامة الطحان، فإننا لا نكتب فقط عن لواء متقاعد أو رجل خدم في واحدة من أهم مؤسسات الدولة، بل نكتب عن ابن من أبناء معان بقيت مدينته قريبة منه، وبقي هو قريباً منها، يقدم خبرته ومشورته ويقف إلى جانب أهلها وقضاياها بما يستطيع.

وهذا ما نريده من رجالات معان جميعاً؛ أن تبقى خبراتهم وعلاقاتهم ونجاحاتهم رصيداً للمحافظة، وأن يشعر شبابها أن خلفهم رجالاً يمكن أن يسمعوا منهم، ويوجهوهم، ويساعدوهم على تحويل الأفكار الجيدة إلى مشاريع وفرص حقيقية.

فتحية تقدير للباشا أسامة الطحان على سنوات خدمته للوطن، وعلى بقائه قريباً من أهله ومدينته، وعلى كل كلمة مشورة أو مساعدة أو موقف قدمه من أجل معان وأبنائها. وتحية لكل رجل من أبناء المحافظة يرى أن الموقع الذي وصل إليه ليس نهاية الطريق، وإنما وسيلة يستطيع من خلالها أن يرد شيئاً من الجميل لمدينته ووطنه.

وتبقى معان كبيرة دائما وتكبر بهمم ابناءها و تعتز بهم حين ينجحون، وتزداد اعتزازاً بهم عندما يعود نجاحهم وخبرتهم بالنفع على أهلها، لأن أجمل المناصب هي تلك التي تنتهي ويبقى بعدها احترام الناس، وأجمل النجاحات هي التي لا يحتفظ بها الإنسان لنفسه وحده.

وفي الختام، يبقى الأردن هو البيت الكبير، وتبقى خدمة الوطن والانتماء إليه واجباً لا ينتهي بانتهاء منصب أو وظيفة. حفظ الله معان وأهلها، وحفظ الأردن آمناً عزيزاً مستقراً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأدامه قائداً لمسيرة الوطن، وحفظ سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، سنداً لجلالة الملك وأملاً لشباب الأردن ومستقبله.

الباشا أسامة الطحان... شخصية الأسبوع، ابن معان الذي خدم وطنه في مواقع المسؤولية، وبقي بعد سنوات الخدمة قريباً من مدينته وأهلها، بخبرته ومشورته وموقفه.

من معان نكتب هذا الأسبوع عن واحد من أبنائها الذين حملوا اسمها معهم في مسيرة طويلة من العمل والمسؤولية، ثم بقيت معان حاضرة في وجدانهم بعد انتهاء الموقع والمنصب، اللواء المتقاعد الباشا أسامة الطحان، أحد رجالات المحافظة الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة الدولة، وعرفه الكثيرون بهدوئه وحضوره وقربه من أهله وأبناء مدينته.

طارق الخوالده آل خطاب