إياد عبد الفتاح النجار
الأمين العام لحزب القدوة الأردني
حمل خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين رسائل وطنية وسياسية واضحة، عكست إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة، وحددت ملامح المسؤولية المطلوبة من مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمع الأردني.
لقد كان حديث جلالة الملك عن الكرك وما شهدته من اعتداء إرهابي تأكيداً على أن الأردن، رغم كل التحديات، سيبقى متماسكاً بوحدته الوطنية ووعي أبنائه. كما جاء اعتزازه بالقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، وبالأشاوس الذين يحمون الوطن، تعبيراً عن مكانة المؤسسة العسكرية في وجدان الأردنيين، وعن الثقة التي يستحقها من يحملون أمانة الدفاع عن الأردن.
وفي تأكيده على عروبة الأردن ودوره في الدفاع عن قضايا الأمة، وعلى حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، ورفض الأطماع التوسعية الإسرائيلية، نجد أن الموقف الأردني ليس موقفاً طارئاً أو مرتبطاً بظرف سياسي، بل هو امتداد لنهج هاشمي ثابت؛ نهج سار عليه جلالة الملك وفاءً لمسيرة الراحل الكبير الحسين بن طلال، وأكد أن الأجيال الهاشمية ستواصل حمل هذه الأمانة.
أما في الشأن الداخلي، فقد وضع جلالة الملك الحياة السياسية أمام مسؤولياتها، مؤكداً أن الأمة مصدر السلطات، وأن الجبهة الداخلية القوية أساس الاستقرار. ومجلس الأمة، كما وصفه جلالته، حارس للمصلحة العامة ورقيب على أداء الحكومة، واختلاف أعضائه في الرأي ينبغي أن يكون مصدر قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية. وهذا يتطلب حياة سياسية فاعلة، وأحزاباً تمتلك البرامج والرؤى، وتعبّر بصدق عن صوت المواطن وتطلعاته.
والرسالة الاقتصادية لا تقل أهمية؛ فالتنمية الحقيقية لا تقاس بالأرقام والمشاريع وحدها، وإنما بما يلمسه المواطن في مستوى معيشته، وفي فرص العمل والتعليم والعلاج، وفي قدرته على بناء مستقبل أفضل. ومن هنا، فإن المطلوب من الحكومة أن تنتقل من الخطط إلى الإنجاز، وأن تسرّع تنفيذ مشاريع التحديث الاقتصادي والمشاريع الكبرى التي تعزز مكانة الأردن ودوره المحوري في الإقليم.
كما أن تأكيد جلالته على الأمن المائي يضعنا أمام مسؤولية استراتيجية تتجاوز الحلول الآنية، وتتطلب خططاً طويلة الأمد تضمن استدامة الموارد وتحفظ حقوق الأجيال القادمة.
وفي جانب سيادة القانون، كانت الرسالة حاسمة: لا مكان لمن يضع مصلحته فوق المصلحة الوطنية، ولا حصانة لمن يسيء إلى هيبة الدولة أو يستغل موقعه. فالقانون لا يحمي اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً، والتداول في الشأن العام حق مشروع، ما دام قائماً على المسؤولية واحترام الدولة ومؤسساتها.
لقد اختتم جلالة الملك خطابه بقوله: «أنتم موضع ثقتي، وأهلي وعشيرتي أمانة في عنقي». وهي عبارة تختصر عمق العلاقة بين القيادة والشعب، وتضع أمام الجميع مسؤولية المحافظة على الأردن العزيز، كبير القدر والمقدار، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
إننا في حزب القدوة الأردني نرى أن قيمة هذا الخطاب تكمن في تحويل رسائله إلى التزامات عملية: حكومة تنجز، ومجلس أمة يمارس دوره التشريعي والرقابي بمسؤولية، وأحزاب تقدم البرامج والبدائل، ومواطن شريك في القرار والبناء. فمصلحة الأردن والأردنيين يجب أن تبقى المعيار الأول لكل قرار، والغاية التي تلتقي عندها جميع الجهود.
وسيظل الأردن، بعزيمة قيادته ووعي شعبه وتضحيات جيشه ومؤسساته، عزيزاً شامخاً، عصياً على التحديات، ماضياً بثبات نحو المستقبل. فالأردن عظيم بملكه، عظيم بشعبه، عظيم بتاريخه ومواقفه، وستبقى ثقة الملك بشعبه، ووفاء الشعب لقيادته، عنواناً لعلاقة راسخة لا تزيدها التحديات إلا تماسكاً.
حفظ الله الأردن، ملكاً وشعباً وأرضاً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار.