سعيد الصالحي
أضاع صديق لي ذات يوم جلدة جرة الغاز، وطلب مني أن نبحث عنها معًا في السيارة أو في المقهى الذي كنا نرتاده. استغربت طلبه وإلحاحه، لكنني، لأني لا أحب أن أحرج أصدقائي برفض طلباتهم، رافقته رغم عدم اقتناعي بأهمية الأمر. فتشنا السيارة أولًا، ثم عدنا أدراجنا إلى المقهى، لعلنا نعثر عليها هناك، لكننا لم نجد لها أثرًا.
وفي أثناء عودتنا، سألته عن سر اهتمامه بهذه الجلدة وحرصه على إيجادها.
تنهد صديقي، وكادت الدموع تنهمر من عينيه. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال: «إنها آخر ما قالته لي جدتي قبل أن تفارق الحياة. اتصلت بي يومها وقالت: لا تنسَ إحضار جلدة جرة الغاز، فالغاز يتسرب من المدفأة. أنا أنتظرك، فلا تتأخر يا ولدي».
ثم صمت قليلًا قبل أن يضيف: «وفي اليوم نفسه، فارقت جدتي الحياة. ومنذ ذلك الحين، تذكرني هذه الجلدة بتلك المحادثة، وبذلك اليوم الذي يرفض أن يتسرب من ذاكرتي. احتفظت بها بوصفها آخر ما بقي لي من تلك المحادثة، فهي أكثر من مجرد قطعة مطاطية بالنسبة إليّ. لن أغفر لنفسي هذا التقصير».
لم تغب كلمات صديقي عن وجداني، ولم تفارقني ملامحه الحزينة. وفي اليوم التالي، قررت أن أساعده. ذهبت إلى حارس عمارتنا واستعرت منه جلدة أخرى لجرة الغاز، ثم ألقيت بها إلى جوار المقعد، وتركتها تكتسب بعض الغبار، لعلها تحسن تقمص شخصية الجلدة المفقودة. بعد ذلك، انطلقت إلى منزل صديقي لأقله في مشوار قصير، على أمل أن يعثر مصادفة على جلدته، فيهدأ روعه.
وما إن جلس صديقي إلى جواري حتى بدأ يبحث عن جلدة الغاز. وحين تحسسها، صاح: «لقد وجدتها يا صديقي!».
تهلل وجهانا بالفرح، وشعرنا بالامتنان لحظنا الذي قادنا إلى هذا الاكتشاف العظيم.
لكن فرحتنا لم تدم طويلًا. فما إن أمسك صديقي بالجلدة حتى تغيرت ملامحه واكفهر وجهه، ثم قال: «هذه ليست جلدة مدفأة جدتي، أنا متأكد من ذلك».
نظرت إليه مستغربًا وسألته: «كيف استطعت تمييزها؟».
أجابني: «لم تحرك شيئًا في قلبي، ولم أسمع صوت جدتي كما كان يحدث حين أمسك بالجلدة الأخرى. هذه الجلدة لا تنتمي إلى عالمي. بوسعك الاحتفاظ بها، فهي ليست أكثر من جلدة جرة غاز بائسة».
وبعد عدة أيام، كنت أخبر الرفاق بمغامرتنا مع جلدة الغاز، حين صاح عبد البديع، كعادته: «إنها شقفة جلد لا أكثر! كيف لو أضعتما قطعة من الذهب أو الألماس؟».
ابتسم صديقي، ونظر إليه وقال: «حبيبي يا عبد البديع».
