يواجه اطفال قطاع غزة تحديا تعليميا جسيما بعد سنوات من الحرب التي عطلت مسيرتهم الدراسية وتركتهم امام فجوات معرفية عميقة في مهارات القراءة والكتابة والحساب. وتتطلب عملية استعادة ما فات هؤلاء الطلاب برامج تعليمية مكثفة وممتدة لسنوات طويلة لضمان تعويضهم عما خسروه في ظل ظروف معيشية ونفسية صعبة.
واكد خبراء تربويون ان معالجة الفاقد التعليمي لا يمكن ان تتم عبر حلول سريعة بل تستوجب تقييما دقيقا لمستوى كل طفل على حدة وتحديد احتياجاته قبل البدء باي برامج تعويضية. واشاروا الى ان تراكم الفجوات المعرفية يهدد قدرة الطلاب على مواصلة تعليمهم النظامي ما لم يتم تدارك الامر بخطط استراتيجية شاملة.
وكشف الدكتور احمد كمال جنينة ان الواقع التعليمي في القطاع يشير الى تفاوت كبير في مهارات الاطفال حيث يعاني الكثير منهم من صعوبات اساسية في القراءة والكتابة نتيجة الانقطاع الطويل عن المدرسة. واوضح ان الفاقد التعليمي يزداد عمقا مع مرور الوقت مما يستدعي بناء برامج مرنة تساعد الاطفال على استعادة مهاراتهم دون الضغط عليهم بمناهج قد تفوق مستواهم الحالي.
تحديات التعلم وتجاوز العقبات
وبين جنينة ان هناك عوامل نفسية واجتماعية تؤثر بشكل مباشر على قدرة الطفل على الاستيعاب داخل الصف الدراسي حيث لا يمكن فصل التحصيل العلمي عن حالة الاستقرار النفسي للطفل. واضاف ان فقدان الروتين المدرسي وغياب التفاعل اليومي مع المعلمين والاقران قد ساهما في تراجع المهارات الحياتية والاجتماعية لدى شريحة واسعة من الطلاب.
واكدت الدراسات الميدانية ان نسبة كبيرة من اطفال غزة شاركوا في انشطة تعليمية محدودة جدا مما يجعل من الصعب قياس حجم التراجع الفعلي في المهارات دون اخضاعهم لتقييمات مباشرة ومنظمة. وشدد الخبراء على ان توفير بيئة تعليمية آمنة ومستقرة هو الخطوة الاولى والاساسية لاي عملية تعافي تعليمي ناجحة.
واوضح المختصون ان التجارب السابقة في التعليم التعويضي اثبتت فاعليتها ولكن ظروف الحرب الحالية تفرض تحديات فريدة تمنع القياس على اي تجارب سابقة. واشاروا الى ان الغاية الحقيقية ليست اكمال المناهج الدراسية او اجراء الامتحانات فحسب بل ضمان اكتساب الطفل للمهارات الاساسية التي تمكنه من التعلم المستمر.
دور المعلم في مسيرة التعافي
وذكر رائد ابو مخدة المتخصص في الادارة المدرسية ان غياب الدوام المدرسي المنتظم يعطل عملية البناء المعرفي حيث يضطر المعلمون لقضاء معظم الوقت في مراجعة المهارات السابقة بدل التقدم نحو مهارات جديدة. واضاف ان ظروف الخيام والاماكن المؤقتة تفتقر الى المقومات الاساسية للعملية التعليمية مما يزيد من صعوبة التركيز والتحصيل.
وبين ابو مخدة ان المعلمين انفسهم يعيشون ضغوط الحرب والنزوح مما يستوجب توفير دعم مهني ونفسي لهم لتمكينهم من القيام بدورهم في مساعدة الاطفال على تجاوز صدماتهم. واكد ان مشاركة المؤسسات التعليمية المحلية واهالي الطلبة في وضع خطط التعافي تعد ركيزة اساسية لنجاح اي تدخل تعليمي في الميدان.
وختم الخبراء بالتأكيد على ان التعافي التعليمي في غزة يتطلب وقتا طويلا واستقرارا ميدانيا وتوفير موارد كافية لضمان عدم تراكم فجوات جديدة. وشددوا على ان التقييم يجب ان يركز على ما يمتلكه الطفل فعليا من مهارات مع ضرورة متابعة الاطفال الاكثر عرضة للتسرب من التعليم لضمان مستقبلهم الدراسي.
