يتجاوز الزي المدرسي في الاردن كونه مجرد لباس يرتديه الطلبة مع بداية كل عام دراسي ليتحول الى شاهد حي على تحولات المجتمع وتطور ذائقة الاجيال على مدار نصف قرن من الزمان. ويجسد هذا الزي ذاكرة بصرية ترافق ملايين الاردنيين في مسيرتهم التعليمية منذ السبعينيات وحتى يومنا هذا حيث تتقاطع فيه تفاصيل القصات والوان الاقمشة مع ذكريات الطفولة والشباب.

ويكشف خالد مرعي وهو احد اقدم تجار الملابس المدرسية في مدينة الزرقاء عن بداياته التي انطلقت من بسطة متواضعة في عام 1974. واضاف مرعي ان العمل في تلك الحقبة كان يواجه تحديات لوجستية كبيرة في ظل ندرة المحال المتخصصة مما جعله شاهدا على تحول الزي المدرسي من مجرد قطعة قماش بسيطة الى صناعة منظمة تعكس تغيرات السوق والطلب.

وبين مرعي ان عائلته انتقلت لاحقا الى محل تجاري كان يستخدم كمستودع للحبوب ليصبح بمرور الزمن وجهة مفضلة للعائلات التي توارثت التعامل معه. واكد ان مهنته لم تكن يوما مجرد تجارة عابرة بل كانت التزاما بتقديم جودة تليق بالطلبة الذين اصبحوا اليوم قامات في المجتمع من اطباء ومهندسين وقضاة.

تطور تصاميم الزي المدرسي عبر الاجيال

ويستعرض مرعي مسيرة المريول المدرسي الذي مر بتحولات لافتة في تصاميمه وتفاصيله الفنية. واوضح ان حقبة الثمانينيات شهدت نقلة نوعية مع ظهور البدلات المدرسية للمرحلتين الابتدائية والاعدادية التي غيرت بشكل جذري من المظهر التقليدي الذي ساد في السبعينيات.

واشار الى ان تصاميم السحب والكسرات كانت العلامة الفارقة لزي الطالبات لعقود طويلة قبل ان تدخل قصات والوان جديدة الى المشهد المدرسي. واضاف ان هذه القطع ليست مجرد ملابس بل هي وثائق تاريخية تؤرخ لمراحل انتقالية في شكل التعليم والحياة اليومية للطلبة الاردنيين.

وتابع مرعي ان الحفاظ على جوهر الزي الموحد كان الهدف الاساسي رغم تغير الموضة والاذواق. واكد ان الغاية من هذه التصاميم ظلت ثابتة وهي خلق حالة من التناغم البصري بين الطلبة بعيدا عن التفاوت الطبقي او التنافس على المظاهر.

الابعاد التربوية والاجتماعية للزي الموحد

وتؤكد التربوية فريال العكور ان الزي المدرسي يحمل ابعادا تتجاوز الشكل الخارجي لتصل الى تعزيز قيم المساواة والانضباط المدرسي. واوضحت ان توحيد المظهر يقلص الفوارق الاقتصادية بين الاسر ويمنع التباهي بالماركات التجارية التي قد تسبب ضغوطا نفسية على بعض الطلبة.

وبينت العكور ان المدارس التي تعتمد الزي الموحد تنجح في خلق بيئة تعليمية تركز على التحصيل العلمي والسلوك القويم بدلا من الانشغال بالموضة. واضافت ان الانضباط في تفاصيل المظهر مثل تسريحات الشعر واغطية الرأس يسهم في صقل شخصية الطالب وتعزيز شعوره بالانتماء للمؤسسة التعليمية.

وشددت العكور على ان الزي المدرسي يظل اداة فعالة لتحقيق العدالة الاجتماعية داخل الغرف الصفية. واكدت ان دور المدرسة هو توفير مساحة متكافئة حيث يتنافس الطلبة بذكائهم واجتهادهم وليس بقدرة اسرهم على شراء الملابس الفاخرة.

واقع السوق وتكاليف الزي المدرسي

ويشير عضو مجلس ادارة غرفة تجارة عمان اسعد القواسمي الى ان السوق المحلي يشهد وفرة في انتاج الزي المدرسي رغم ارتفاع التكاليف التشغيلية. واوضح ان اسعار الملابس المدرسية ظلت مستقرة نسبيا مقارنة بالاعوام الماضية مما يسهل على اولياء الامور توفير احتياجات ابنائهم.

واضاف القواسمي ان تكلفة الزي المدرسي للطالب في المدارس الحكومية تتراوح في حدها الاوسط بين 9 و20 دينارا شاملة الحقيبة المدرسية. وبين ان هذه التقديرات تختلف بناء على الجودة والمرحلة الدراسية لكنها تظل في متناول معظم الاسر الاردنية التي تستعد للموسم الدراسي.

وكشف القواسمي ان قيمة مستوردات القطاع المرتبطة بالعودة الى المدارس تتجاوز 25 مليون دينار سنويا. واكد ان هذا الموسم يعد محركا اساسيا للحركة التجارية في المملكة ويعكس حجم الطلب الكبير على مستلزمات الطلبة من ملابس واقمشة واحذية.

نصف قرن من الذاكرة التعليمية

ويستذكر مرعي رحلته الطويلة مع الزي المدرسي مؤكدا ان المعيار الذي حكم عمله هو المصداقية. واضاف ان كل قطعة قماش يبيعها يحاول ان يختارها بعناية كما لو كانت لابنائه مما خلق ثقة متبادلة مع الزبائن امتدت لعقود.

وبين ان الزي المدرسي سيظل جزءا لا يتجزأ من الهوية الاردنية مهما تبدلت التصاميم والقصات. واكد ان الفكرة تظل حية وفاعلة في مجتمع يقدر التعليم ويحرص على ان تكون المدرسة مكانا يجمع ابناءه تحت راية واحدة ومظهر واحد.

وختم مرعي بان رحلة الخمسين عاما تختصر في مريول بسيط نجح في الصمود امام تغيرات الزمن. واضاف ان السؤال الجوهري يظل دائما حول قدرة هذا الزي على الحفاظ على جوهر المساواة في ظل تسارع انماط الاستهلاك الحديثة.