لم تخرج السيدة المسنة الى شاطئ البحر في غزة بحثا عن النجاة او الهروب من الواقع، بل كانت تنشد لحظات من الهدوء بعيدا عن ضجيج القصف المتواصل. لكن هذا المتنفس الوحيد الذي اعتاد سكان القطاع اللجوء اليه لم يكن اكثر امانا من غيره، حيث تحول المكان الى مسرح لمجزرة جديدة خلفت دماء ودموعا تحت اشعة الشمس. واكدت تقارير طبية رسمية استشهاد 6 فلسطينيين واصابة 14 آخرين بجروح متفاوتة جراء غارة اسرائيلية غادرة استهدفت منطقة الميناء غربي مدينة غزة.
وكشفت الصور التي انتشرت كالنار في الهشيم عن وجه سيدة مسنة تغطيه الدماء، وهي لقطة اختزلت في تفاصيلها وجع مدينة كاملة يطارد فيها الموت المدنيين حتى في الاماكن التي يقصدونها لالتقاط انفاسهم. واظهرت تلك المشاهد القاسية ان مساحات الامان في القطاع تضيق يوما بعد يوم، حتى بات البحر الذي كان يمثل رمزا للحياة يحمل الان ذاكرة جديدة من الخوف والالم.
صورة تختصر مأساة شعب
واضاف ناشطون وصحفيون ان الصورة لم تكن مجرد توثيق لاصابة مواطنة، بل كانت شهادة بصرية صارخة على واقع يعيشه سكان غزة حيث لا مكان بعيد عن دائرة الاستهداف. واوضح الناشط مالك الشنباري ان الوصول الى البحر اصبح ترفا محفوفا بالمخاطر، مشيرا الى تجربته الشخصية حين اصطحب طفليه للشاطئ لأول مرة منذ اعوام، لتنتهي تلك الرحلة القصيرة بمشاهد الرعب التي جعلت ابنته تقول بمرارة ان القصف يلاحقهم حتى في البحر.
وبين الناشط عبود البطاح ان الميناء كان المكان الوحيد الذي يقصده الناس للراحة النفسية، لكن القصف يصر على ملاحقتهم ليحرمهم من ابسط حقوقهم في الهدوء. وشدد الناشط الحكيم على ان مشهد نقل السيدة المسنة الجريحة من موقع المقهى المستهدف في الميناء يعكس حجم الاستهتار بحياة المدنيين الذين انهكتهم سنوات الحرب والحصار. واكد شهود عيان ان الضحايا كانوا مجرد عائلات تحاول قضاء وقت بسيط بعيدا عن الدمار قبل ان تتحول جلستهم الى مجزرة دامية.
الميناء ساحة للقصف بدل المتنفس
واشار الناشط احمد ابو حماد الى ان صورة السيدة المسنة جسدت بصدق حجم الالم الذي يعيشه الغزيون، حيث خرجت لتستنشق الهواء وعادت محمولة على نقالة الجرحى. واضاف الكاتب وسام عفيفة ان هذه الواقعة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان القتل اصبح يلاحق الفلسطينيين في كل مكان دون استثناء. واوضحت الارقام الميدانية ان الغارة على الميناء كانت استهدافا مباشرا لمساحة تجمع للمدنيين، مما يرفع حصيلة الضحايا في ظل تصاعد العمليات العسكرية.
واكد الصحفي يوسف ابو كويك ان سرعة القصف على مناطق المتنفس الشعبي تعكس استمرار النهج العسكري الاسرائيلي بالتزامن مع الحديث عن اي مساع سياسية، مما يترك المدنيين عالقين في دائرة من الاستهداف المستمر. وبينت الاحداث الاخيرة ان مساحات الحياة في غزة تتقلص لتصبح غير موجودة، حيث بات البحر الذي كان يوما ملاذا للاطفال والمسنين جزءا من جغرافيا الموت التي تفرضها الحرب على القطاع المحاصر.
