بقلم المحامية هنزاد التل,,
في حياتنا العامة، كثيرًا ما نسمع كلمات جميلة عن العدالة، والمساواة، وتكافؤ الفرص، واحترام القانون، وخدمة المواطن، ومحاربة الواسطة والمحسوبية. عبارات تُقال أمام الناس بكل ثقة، وتبدو في ظاهرها نموذجًا للمبادئ التي يفترض أن تحكم المجتمع والدولة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا نقول؟
بل: ماذا نفعل عندما نملك القدرة على اتخاذ القرار؟
فالمشكلة تبدأ عندما يصبح الكلام شيئًا، والممارسة شيئًا آخر؛ عندما نتحدث عن العدالة، ثم نبحث عن الواسطة لأنفسنا أو لمن نريد، وعندما نطالب بتطبيق القانون على الآخرين، ثم نحاول الالتفاف عليه عندما تتعارض أحكامه مع مصالحنا.
والواسطة ليست مجرد «خدمة» يقدمها شخص لشخص آخر كما يحاول البعض تصويرها، بل قد تتحول إلى ظلم حقيقي عندما يحصل شخص على حق ليس له، بينما يُحرم منه شخص آخر لأنه لا يملك قريبًا أو صديقًا أو صاحب نفوذ يتدخل لصالحه.
وهنا يشعر المواطن أن القانون ليس هو الطريق الوحيد للوصول إلى حقه، وأن العلاقات الشخصية قد تكون أقصر من الطريق القانوني.
الأخطر من الواسطة هو أن تتحول شبكة النفوذ والمصالح إلى منظومة مغلقة؛ يعرف أفرادها كيف يفتحون الأبواب لبعضهم، وكيف تُمنح الفرص، وكيف تُدار الملفات، وكيف يُهمَّش من لا يملك القدرة على الوصول إلى أصحاب القرار.
وفي بعض الحالات، لا تتوقف المسألة عند المصالح، بل تتجاوزها إلى تصفية الحسابات.
فيُقرّب من يوافق، ويُبعد من يختلف، ويُنظر إلى صاحب الرأي المستقل باعتباره خصمًا، وقد تتحول الخلافات الشخصية إلى مواقف عامة، ويُستخدم النفوذ لمعاقبة من لم يدخل في دائرة الولاءات.
وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد خلاف بين أشخاص؛ لأنها تمس ثقة الناس بالمؤسسات وبالعدالة وبفكرة تكافؤ الفرص.
وقد مررت شخصيًا بتجارب من هذا النوع، جعلتني أكثر إيمانًا بأن الإنسان لا يُقاس بما يقوله عن نفسه، وإنما بما يفعله عندما تكون لديه القدرة على التأثير في حياة الآخرين
ولذلك، لا أكتب عن هذه الظاهرة من موقع المراقب فقط، وإنما من واقع تجارب علّمتني أن الكلام المنمق لا يستطيع إلى الأبد أن يخفي حقيقة الممارسة.
صاحب النفوذ عليه أن يتذكر دائمًا أن الموقع الذي يجلس عليه اليوم ليس ملكًا أبديًا له
فالمناصب تتغير، والوجوه تتبدل، وموازين القوة لا تبقى ثابتة.
«لو دامت لغيرك ما وصلت إليك» ليست مجرد مقولة نتداولها، بل حقيقة من حقائق الحياة.
ومن يظن أن قوته ستدوم، عليه أن يتذكر أن الأيام دول، وأن الإنسان قد ينتقل في لحظة من موقع القوة إلى موقع يحتاج فيه إلى إنصاف الآخرين.
فمن ظلم إنسانًا لأنه لا يملك واسطة، قد يأتي يوم يحتاج فيه إلى من لا يملك واسطة.
ومن استخدم نفوذه لإقصاء شخص، قد يأتي يوم يجد فيه نفسه خارج دائرة النفوذ
ومن جعل الخلاف الشخصي سببًا في التضييق على الآخرين، قد يكتشف لاحقًا أن الحسابات التي ظن أنها أغلقت، لم تُغلق في ذاكرة الناس ولا في ميزان الحياة.
فالسلطة لا تدوم، والكرسي لا يدوم، والواسطة لا تصنع احترامًا، والنفوذ لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية.
أما ما يبقى فهو أثر الإنسان في الناس: هل أنصف عندما استطاع؟ هل ساعد دون أن يظلم غيره؟ هل طبق المبدأ على نفسه قبل أن يطالب الآخرين به؟ وهل حافظ على كرامة من كان أضعف منه
المجتمع لا يحتاج إلى أصحاب نفوذ يتحدثون كثيرًا عن العدالة، بل إلى أصحاب مسؤولية يمارسون العدالة عندما تكون لديهم القدرة على مخالفتها.
ولا يحتاج المواطن إلى أبواب تُفتح بالواسطة، وإنما إلى أبواب مفتوحة بالقانون.
ولا يحتاج إلى مسؤول ينتصر لخصومه أو أصدقائه، وإنما إلى مسؤول ينتصر للحق.
وفي النهاية، قد يستطيع صاحب النفوذ أن يؤجل حقًا، أو يغلق بابًا، أو يؤثر في قرار، أو يفرض صمتًا مؤقتًا.
لكنه لا يستطيع أن يوقف حركة الزمن.
فالكأس الذي يسقي به الآخرين قد يأتي يوم ويشرب منه، والموقع الذي يستخدمه اليوم ضد الناس قد يصبح غدًا ذكرى، أما الظلم فلا ينسى بسهولة.
ولهذا، قبل أن تستخدم نفوذك ضد إنسان، تذكر أن الدنيا لا تبقى على حال، وأن الذي يقف أمامك اليوم ضعيفًا قد تقف أنت غدًا في المكان الذي يقف فيه.
فاحكموا بالعدل حين تكونون أقوياء، حتى لا تبحثوا عن العدل عندما يأتي يوم تحتاجون فيه إليه.
حين يصبح الكلام المنمّق ستارًا للنفوذ وتصفية الحسابات
