كشفت احدث البيانات الائتمانية في الصين عن فجوة مقلقة في ثاني اكبر اقتصاد عالمي حيث تتوفر السيولة وتتراجع تكلفة الاقتراض الا ان الشركات والاسر تظهر عزوفا تاما عن طلب التمويل الجديد. واظهرت الارقام الرسمية ان القروض المقومة باليوان سجلت انكماشا تاريخيا غير مسبوق خلال شهر يوليو الماضي مما يعكس حالة من الحذر الشديد تجاه التوسع المالي رغم التيسير النقدي الذي يتبعه البنك المركزي. وبينت المؤشرات ان القروض الجديدة انكمشت بنحو 340 مليار يوان وهو رقم جاء مخيبا لآمال المحللين الذين توقعوا نموا ايجابيا بعد قفزات شهر يونيو.
واكد الخبراء ان هذا الانكماش لا يعود لنقص في قدرة البنوك على الاقراض بل يعكس غياب الرغبة لدى القطاع الخاص في تحمل ديون جديدة في ظل ضغوط قطاع العقارات والمخاوف من تقلبات الدخل والوظائف. واضاف التقرير ان اجمالي القروض خلال الشهور السبعة الاولى تراجع بنسبة تقارب 19 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي مما يشير الى تباطؤ هيكلي في شهية السوق للائتمان. واوضح المحللون ان الاسر الصينية باتت اكثر تحفظا حيث تراجعت قروض الرهن العقاري بشكل حاد بينما قلصت الشركات من استثماراتها التوسعية نتيجة ضعف الطلب الكلي.
تحديات القطاع المصرفي ومستقبل السياسة النقدية
وبينت بيانات الهيئة الوطنية للتنظيم المالي ارتفاعا طفيفا في نسبة القروض المتعثرة لتصل الى 1.52 في المائة بنهاية الربع الثاني وهو ما يضع البنوك امام ضغوط اضافية في ظل تراجع هوامش الارباح. واشار المتابعون الى ان البنوك الصينية رغم تمتعها بهوامش رأسمالية قوية الا انها تواجه صعوبة في تحويل السيولة المتوفرة الى نشاط اقتصادي حقيقي. وشدد المختصون على ان استمرار انخفاض اسعار الفائدة قد لا يكون الحل السحري لتحفيز الاقتصاد اذا استمر غياب الثقة لدى المستهلكين والمستثمرين.
وكشفت السلطات الصينية عن توجهها نحو الاعتماد على ادوات تمويل بديلة مثل السندات الحكومية والتمويل المالي بدلا من الاعتماد الكلي على القروض المصرفية التقليدية. واضافت التقارير ان حصة القروض من اجمالي التمويل الاجتماعي شهدت تراجعا ملحوظا لصالح ادوات التمويل الاخرى. واكد البنك المركزي الصيني عزمه على مواصلة التنسيق بين السياستين النقدية والمالية لضمان استقرار النمو دون الحاجة الى خفض حاد في اسعار الفائدة في الوقت الراهن.
معضلة الثقة وتحويل وفرة السيولة الى نمو
واوضح المحللون ان المشهد الاقتصادي الحالي يضع بكين امام تحدي حقيقي يتمثل في كيفية استعادة الثقة وتحسين التوقعات المستقبلية للنمو. وبينت البيانات ان المعروض النقدي الواسع شهد تباطؤا في النمو ليصل الى ادنى مستوياته في 16 شهرا مما يعزز فرضية ان النظام المالي يعاني من فجوة في الطلب وليس في العرض. واضافت المؤسسات المالية ان نجاح السياسة الاقتصادية مرهون بقدرة الدولة على خلق بيئة محفزة تشجع الشركات على الاقتراض مرة اخرى.
وختم المراقبون بان الانكماش القياسي للقروض يمثل رسالة مباشرة لصناع القرار بان الاموال وحدها لا تكفي لدفع عجلة الاقتصاد في ظل غياب الحوافز الاستثمارية. واكدت التقارير ان المرحلة القادمة ستشهد اعتمادا اكبر على الانفاق الحكومي والاصلاحات الهيكلية لدعم النشاط الاقتصادي. وبينت المعطيات ان الاقتصاد الصيني يمر بمرحلة تحول جذرية تتطلب استراتيجيات اكثر مرونة للتعامل مع واقع التباطؤ الائتماني.
