بقلم المهندس نبيل إبراهيم حداد
إن توقيع وزارة السياحة والآثار اتفاقية مع متحف الكتاب المقدس في واشنطن لاستضافة معرض **«الأردن: فجر المسيحية»** لا يمثل نشاطاً سياحياً أو ثقافياً عابراً، بل يشكل خطوة ذات أبعاد دينية وحضارية ووطنية وسياسية، تعيد تقديم الأردن إلى العالم باعتباره جزءاً أصيلاً من الجغرافيا التي شهدت بدايات المسيحية وتطورها وانتشارها.
فالأردن ليس مجرد دولة تضم عدداً من المواقع المسيحية الأثرية، بل هو أرض ارتبطت بمحطات مركزية في التاريخ الديني الإنساني، وفي مقدمتها موقع المغطس، «بيت عنيا عبر الأردن»، حيث تعمّد السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان. وهذه الحقيقة تمنح المملكة مكانة روحية وتاريخية لا يمكن اختزالها في البعد السياحي أو الاقتصادي وحده.
### الأردن شاهد حي على بدايات المسيحية
تكمن أهمية المعرض في أنه يقدم الأدلة الأثرية والتاريخية على الوجود المسيحي المتواصل في الأردن منذ نحو ألفي عام. فالقطع الأثرية التي ستُعرض ليست مجرد مقتنيات متحفية، وإنما شواهد مادية على أن المسيحية في الأردن ليست ظاهرة وافدة أو طارئة، بل مكوّن تاريخي أصيل من مكونات المجتمع والحضارة الأردنية.
من موقع المغطس إلى مكاور وأم قيس، ومن كنيسة العقبة الأثرية إلى كنائس البترا ورحاب وأم الرصاص، ومن فسيفساء مأدبا إلى الكنائس التاريخية المنتشرة في مختلف مناطق المملكة، تتشكل خريطة دينية وحضارية تؤكد أن أرض الأردن كانت حاضنة للرسالة المسيحية، ومعبراً للثقافات والأديان، ومساحة للتفاعل الإنساني منذ أقدم العصور.
ومن هنا، فإن عنوان المعرض **«فجر المسيحية»** يحمل دلالة دقيقة؛ إذ لا يعرض المسيحية بوصفها مرحلة منفصلة عن تاريخ الأردن، وإنما بوصفها جزءاً من هوية المكان ومن الذاكرة الوطنية للمملكة.
### رسالة إلى العالم حول الهوية الأردنية
للمعرض أيضاً أهمية وطنية؛ لأنه يقدم الهوية الأردنية في صورتها التاريخية الحقيقية: هوية عربية راسخة، متعددة الروافد، تقوم على الوئام والانتماء الوطني المشترك.
فالوجود المسيحي الأردني ليس هامشاً اجتماعياً أو تفصيلاً عددياً، بل هو جزء أساسي من تكوين الدولة والمجتمع. والمسيحيون الأردنيون شاركوا، إلى جانب إخوانهم المسلمين، في بناء مؤسسات الدولة، وفي الدفاع عنها، وفي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية.
ومن شأن عرض هذا الإرث في واشنطن أن يواجه كثيراً من الصور النمطية التي تختزل المنطقة العربية في النزاعات الدينية أو الانقسامات الطائفية. فالأردن يستطيع أن يقدم نموذجاً مختلفاً، يقوم على المواطنة، واحترام المقدسات، وحماية التنوع الديني، واعتبار المسلمين والمسيحيين شركاء متساوين في الوطن وفي التاريخ والمستقبل.
### أهمية إقامة المعرض في واشنطن
اختيار واشنطن لاستضافة المعرض يمنحه بعداً سياسياً وثقافياً مؤثراً. فالولايات المتحدة تضم جمهوراً واسعاً من الكنائس والمؤسسات المسيحية والجامعات ومراكز الأبحاث وصناع القرار ووسائل الإعلام. والوصول إلى هذا الجمهور من خلال معرض أثري موثق أكثر تأثيراً من الخطابات السياسية أو الحملات الإعلامية التقليدية.
فالمعرض يخاطب الزائر بلغة المكان والأثر والتاريخ، ويمنحه فرصة لاكتشاف الأردن بوصفه أرضاً مقدسة ومركزاً من مراكز التاريخ المسيحي، لا مجرد دولة تقع في منطقة مضطربة.
كما يفتح المعرض المجال أمام بناء جسور أعمق بين الأردن والمجتمعات المسيحية في الولايات المتحدة والعالم، ويعزز حضور المملكة في الوعي الديني والثقافي الدولي، ويؤسس لعلاقات طويلة الأمد مع الكنائس والجامعات والمؤسسات الدينية والثقافية.
### المغطس: من موقع أثري إلى مركز عالمي للحج
يأتي المعرض في سياق استعداد الأردن لإحياء الذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح، وهي مناسبة يجب التعامل معها بوصفها مشروعاً وطنياً كبيراً، لا احتفالاً موسمياً محدوداً.
فموقع المغطس يمتلك مقومات تجعله واحداً من أهم مواقع الحج المسيحي في العالم، إلى جانب القدس وبيت لحم والناصرة والفاتيكان. غير أن تحويل هذه القيمة الدينية إلى حضور عالمي مستدام يتطلب رؤية متكاملة تشمل البنية التحتية، والخدمات، والترويج الدولي، ومسارات الحج، والتعاون مع الكنائس العالمية، وتأهيل المجتمعات المحلية المحيطة بالمواقع الدينية.
ويستطيع معرض واشنطن أن يكون منصة دولية للإعلان عن هذه الرؤية، ودعوة المؤمنين والباحثين والمؤسسات الدينية إلى زيارة الأردن والتعرف إلى مواقعه المقدسة.
### من معرض دولي إلى جولة عالمية
ينبغي ألا تتوقف رحلة معرض **«الأردن: فجر المسيحية»** عند واشنطن، بل من المهم إعداد برنامج منظم لتحويله إلى معرض عالمي متنقل يزور العواصم والمدن ذات الحضور المسيحي والثقافي المؤثر، ولا سيما في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية.
ففي هذه المناطق لا ترتبط المسيحية بالماضي التاريخي أو بالموروث الأثري فحسب، بل ما تزال عنصراً حياً وعميقاً في الوجدان الشعبي والحياة الروحية والثقافية للمجتمعات. وهذا يمنح المعرض فرصة للانتقال من مجرد تقديم معلومات تاريخية إلى بناء صلة روحية مباشرة بين المؤمنين وبين أرض الأردن ومواقعه المقدسة.
وتضم دول أميركا اللاتينية كتلاً بشرية واسعة ترتبط بالكنيسة الكاثوليكية وغيرها من الكنائس المسيحية، وتبدي اهتماماً كبيراً بمواقع الكتاب المقدس والحج الديني. ولذلك فإن نقل المعرض إلى دول مثل البرازيل والمكسيك والأرجنتين وكولومبيا وتشيلي يمكن أن يعرّف ملايين المؤمنين بالأردن بوصفه أرضاً مقدسة شهدت معمودية السيد المسيح واحتضنت مجتمعات مسيحية متواصلة منذ القرون الأولى.
كما تكتسب أوروبا الشرقية أهمية خاصة بسبب عمق التقاليد الأرثوذكسية فيها، وارتباط شعوبها الروحي بالمواقع المقدسة وتاريخ المسيحية المبكرة. ويمكن أن تشمل الجولة دولاً مثل اليونان ورومانيا وبلغاريا وصربيا وبولندا، إلى جانب بلدان أخرى تمتلك كنائس ومؤسسات دينية وثقافية قادرة على توسيع دائرة الاهتمام بالمغطس وبالمواقع المسيحية الأردنية.
إن توجيه المعرض إلى هذه المجتمعات يجب ألا يعتمد على الخطاب الأثري والسياحي وحده، بل ينبغي أن يجمع بين التاريخ والإيمان والروحانية. فالزائر المسيحي لا يبحث فقط عن معلومات حول موقع قديم أو قطعة أثرية، بل عن صلة روحية بالمكان الذي شهد أحداثاً مركزية في العقيدة المسيحية.
ومن هنا، فإن تقديم الإرث المسيحي الأردني ضمن سياقه الروحي يمكن أن يحول الاهتمام الثقافي إلى رغبة حقيقية في الحج وزيارة الأردن، وأن ينقل صورة المملكة من موقع أثري بعيد إلى أرض مقدسة حية في الوجدان الديني المعاصر.
### شراكات دينية وثقافية مطلوبة
إن إنجاح الجولة العالمية للمعرض يتطلب بناء شراكات واسعة مع الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية، ومجالس الأساقفة، والجامعات الدينية، والمتاحف، والمؤسسات الثقافية، وشركات السياحة المتخصصة في الحج.
كما يمكن أن ترافق المعرض ندوات ومحاضرات وأفلام وثائقية ولقاءات مع رجال الدين وعلماء الآثار، إضافة إلى التعريف بمسارات الحج المسيحي في الأردن، وربط المواقع الدينية الأردنية بالبرامج التي تنظمها الكنائس والمؤسسات الدينية حول العالم.
ويجب كذلك توفير مواد تعريفية بلغات الدول المستضيفة، بما في ذلك الإسبانية والبرتغالية ولغات أوروبا الشرقية، حتى لا يبقى المعرض موجهاً إلى النخب الأكاديمية وحدها، بل يصل أيضاً إلى عامة المؤمنين والمهتمين.
وبذلك يتحول المعرض من فعالية مؤقتة إلى مشروع متكامل للدبلوماسية الدينية والثقافية، يجمع بين الرسالة الروحية والتعريف التاريخي والترويج السياحي.
### الثقافة والدبلوماسية الناعمة
يمثل المعرض نموذجاً مهماً للدبلوماسية الثقافية. فالدول لا تدافع عن صورتها ومصالحها بالسياسة والاقتصاد فقط، بل من خلال قدرتها على تقديم تاريخها وروايتها الحضارية للعالم.
والأردن يمتلك رصيداً استثنائياً في هذا المجال؛ فهو أرض الأنبياء، وموطن حضارات متعاقبة، ومكان التقاء للديانات والثقافات. وعندما يوظف الأردن هذا الرصيد بصورة مؤسسية، فإنه يعزز مكانته الدولية ويقدم نفسه باعتباره دولة تحمي التراث الإنساني وتدافع عن قيم الاعتدال والوئام والسلام.
لكن نجاح هذه الدبلوماسية يتطلب ألا يكون المعرض حدثاً منفرداً، بل جزءاً من برنامج متواصل يشمل معارض متنقلة، وأفلاماً وثائقية، ومنشورات علمية، ومنصات رقمية، ومؤتمرات أكاديمية، وتعاوناً مع المتاحف والجامعات والكنائس حول العالم.
### أهمية الرواية الأردنية
من الضروري أن يقدم المعرض رواية أردنية واضحة ومتماسكة، تستند إلى البحث العلمي والتوثيق الأثري، وتوضح أن المملكة لم تكن مجرد ممر للأحداث الدينية، بل كانت مسرحاً أساسياً لها وحاضنة لمجتمعات مسيحية عريقة.
فامتلاك المواقع وحده لا يكفي؛ الأهم هو امتلاك القدرة على تفسيرها وتقديمها وربطها بسياقها التاريخي والوطني. وحين لا تقدم الدولة روايتها بنفسها، قد تُقرأ آثارها ضمن روايات أخرى تقلل من دورها أو تتجاهل خصوصيتها.
ولهذا فإن معرض **«الأردن: فجر المسيحية»** يجب أن يكون بداية لمشروع أوسع لتوثيق التاريخ المسيحي الأردني وإدخاله بصورة أعمق في المناهج التعليمية والإعلام الوطني والخطاب السياحي والثقافي.
كما ينبغي ربط المعرض باستراتيجية وطنية بعيدة المدى، تحدد الأسواق الدينية والثقافية المستهدفة، وتضع برنامجاً زمنياً للجولات الدولية، وتقيس نتائجها من حيث الاهتمام الإعلامي، وعدد الزوار، والشراكات الدينية والثقافية، والزيادة في أعداد الحجاج إلى الأردن.
### خلاصة
إن معرض **«الأردن: فجر المسيحية»** فرصة لإعادة اكتشاف أحد أهم عناصر القوة الحضارية الأردنية، ولإظهار المملكة بوصفها وطناً للوئام ومركزاً من مراكز التاريخ المسيحي العالمي.
وقيمته الحقيقية لا تكمن فقط في عدد القطع المعروضة أو أعداد الزوار، بل في الرسالة التي يحملها: أن الأردن أرض مقدسة، وأن مسيحييه جزء أصيل من هويته الوطنية، وأن حماية التراث الديني ليست مسؤولية طائفة معينة، بل مسؤولية وطنية وإنسانية مشتركة.
ومن هنا، فإن المطلوب ألا يبقى المعرض محصوراً في واشنطن أو في عدد محدود من العواصم الغربية، بل أن يتحول إلى جولة عالمية تشمل أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية وغيرها من المناطق التي ما تزال فيها المسيحية حاضرة بقوة في الحياة الروحية والثقافية.
إنها مناسبة ليقول الأردن للعالم، بلغة الآثار والتاريخ والإيمان: هنا بدأت صفحات مهمة من قصة المسيحية، وهنا ما تزال قيم الإيمان والوئام والكرامة الإنسانية حية في وجدان الدولة والمجتمع.
