تواجه الولايات المتحدة الامريكية منعطفا تاريخيا يهدد بفقدان سيادتها على عرش الغذاء العالمي بعد سنوات طويلة من التربع على القمة. وتظهر المعطيات الراهنة تضافر عوامل عدة بدءا من الحروب التجارية ووصولا إلى تراجع هوامش الربح وارتفاع تكاليف الإنتاج مما دفع كبرى القوى الزراعية نحو وضع حرج امام منافسيها الدوليين.

وتكشف التقارير ان الازمة الحالية لا تتعلق بنقص في المحاصيل فالمزارع الامريكية ما تزال تحقق ارقاما قياسية في الانتاج. واضاف الخبراء ان المشكلة الحقيقية تكمن في العجز عن تحويل هذه الوفرة الى ارباح ملموسة حيث بات المزارعون يواجهون نفقات تشغيلية باهظة تتجاوز بكثير الدخل المتوقع من بيع المحاصيل الرئيسية مثل فول الصويا والذرة والقمح.

وبين المحللون ان هذا الواقع يعكس خللا بنيويا في الزراعة الامريكية التي تعتمد بشكل متزايد على الدعم الحكومي للتعويض عن فقدان الاسواق الخارجية. واكدت رابطة مكاتب المزارع ان المنتجين يسجلون خسائر فادحة لكل فدان وهو ما يشير الى ازمة عميقة تتجاوز مجرد تقلبات الاسعار المؤقتة.

تداعيات الحرب التجارية على موازين القوى

وتشير الارقام الى تقارب شديد في حجم الصادرات بين واشنطن والبرازيل التي سجلت ارتفاعا قياسيا في صادراتها خلال الفترة الاخيرة. واوضح المتابعون ان البرازيل باتت مرشحة بقوة لانتزاع الصدارة العالمية في ظل تحول المشترين الدوليين وخاصة الصين بعيدا عن المنتج الامريكي الذي فقد استقراره التنافسي.

وكشفت التحليلات ان نقطة التحول تعود لعام 2018 حين فرضت الادارة الامريكية رسوما جمركية ردت عليها بكين باستهداف المنتجات الزراعية. واضافت المصادر ان هذا الصراع التجاري دفع الصين لترسيخ علاقات تجارية طويلة الامد مع البرازيل في مجالات التخزين والمعالجة والنقل مما جعل من الصعب على الولايات المتحدة استعادة حصتها السوقية السابقة.

وذكرت البيانات ان الولايات المتحدة تحولت في نظر الكثير من المستوردين الى مورد احتياطي بعدما كانت الوجهة الاولى والموثوقة. واكدت وزارة الزراعة الامريكية ان الحصة السوقية للولايات المتحدة في تجارة الذرة العالمية تراجعت بشكل حاد خلال العقدين الاخيرين لتصل الى مستويات متدنية مقارنة بما كانت عليه سابقا.

نموذج برازيلي اكثر كفاءة ومرونة

وتتمتع البرازيل بنموذج انتاجي متطور يسمح بحصد اكثر من محصول في الموسم الواحد مما يعزز من هوامش الربح. وشدد المراقبون على ان وفرة الاراضي وانخفاض تكلفتها ساعد البرازيل على مضاعفة انتاجها من الحبوب والبذور الزيتية مستفيدة من ابحاث زراعية متقدمة تناسب المناخ الاستوائي.

واظهرت الدراسات ان البرازيل رغم التحديات المتعلقة باستيراد الاسمدة والبنية التحتية استطاعت السيطرة على اكبر حصة من السوق الصينية. واضاف الخبراء ان هذا الفارق جعل من البرازيل قوة اكثر مرونة في مواجهة تقلبات الاسعار العالمية مقارنة بالمزارع الامريكي الذي اصبح يواجه ازمة بقاء.

وكشفت الممارسات الميدانية ان الولايات المتحدة بدأت تحول تركيزها الزراعي نحو الوقود الحيوي بدلا من الغذاء. واكدت تقارير ان صناعة الايثانول تستهلك نسبة كبيرة من محصول الذرة المحلي بدعم من سياسات حكومية وحوافز ضريبية تهدف لخلق سوق بديلة في ظل انحسار الطلب العالمي على الغذاء الامريكي.

تحولات تمتد لتشمل المجتمعات الريفية

وتتجاوز هذه الازمة الجانب الاقتصادي لتلقي بظلالها على النسيج الاجتماعي في البلدات الريفية الامريكية. واضاف المتابعون ان اختفاء المزارع الصغيرة لصالح العمليات الكبيرة ادى الى تراجع عدد الاسر الزراعية وضعف النشاط الاقتصادي المحلي ونفوذ المزارعين السياسي.

واظهرت المقارنات ان مناطق الانتاج البرازيلي تشهد في المقابل نموا سكانيا واقتصاديا متسارعا حول منشآت التصدير. وبينت التقارير ان هذا الواقع يعكس انتقالا فعليا لمركز الثقل الزراعي العالمي من الغرب الاوسط الامريكي الى قلب امريكا الجنوبية.

وختاما يرى الخبراء ان ما يحدث ليس مجرد منافسة عابرة بل تحولا جذريا في ميزان القوى الدولي. واكدوا ان الولايات المتحدة لم تعد المورد الذي يحدد اتجاهات السوق الدولية مما يضع القطاع الزراعي الامريكي امام ضرورة اعادة تقييم استراتيجي شاملة لمستقبله في عالم تتغير فيه معايير الهيمنة الغذائية.