تشهد سوق الاسهم البريطانية حالة من الاستنزاف المستمر مع تزايد وتيرة خروج الشركات المدرجة نتيجة صفقات الاستحواذ المكثفة التي تبتلع الكيانات الاقتصادية الكبرى. وتواجه بورصة لندن تحديات هيكلية جعلت من تراجع التقييمات عاملا محفزا للمستثمرين الاجانب وصناديق الاستثمار المباشر للسيطرة على الشركات بدلا من نموها المستقل. واظهرت البيانات ان ضعف جاذبية الادراج في السوق البريطانية مقارنة بالاسواق العالمية خاصة الامريكية دفع الكثير من الشركات نحو التخارج.
واكدت التقارير ان النصف الاول من العام الجاري سجل قفزة كبيرة في عروض الاستحواذ التي وصلت قيمتها الى مليارات الجنيهات الاسترلينية متجاوزة بذلك اجمالي الصفقات المسجلة في فترات سابقة. وبينت الارقام ان حجم السيولة الموجهة لشراء الشركات المدرجة فاق بمراحل قدرة السوق على جذب اكتتابات عامة جديدة ما خلق فجوة تمويلية واسعة. واضاف المحللون ان هذا المشهد يعكس حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين المحليين الذين يفضلون التخارج السريع عبر صفقات البيع بدلا من الرهان على استثمارات طويلة الاجل في بيئة اقتصادية صعبة.
وتابعت التحليلات ان عمليات الاستحواذ لم تعد تقتصر على الشركات الصغيرة بل امتدت لتشمل كيانات ضخمة مدرجة ضمن مؤشرات رئيسية مثل فوتسي 100 وفوتسي 250. واوضحت ان سهولة تمرير هذه الصفقات بفضل انخفاض قيم الاسهم جعل من الشركات البريطانية هدفا سهلا للمشترين الدوليين. وشددت الاراء الاقتصادية على ان استمرار هذا النزيف يضعف من قدرة السوق الوطنية على لعب دورها الحيوي في تمويل الاقتصاد المحلي وتوفير منصة نمو للشركات الواعدة.
عجز الاكتتابات عن تعويض الشركات المغادرة
وكشفت الاحصائيات ان ميزان القوى داخل بورصة لندن يميل بوضوح لصالح الاستحواذات التي تلتهم الشركات بوتيرة اسرع بكثير من دخول شركات جديدة عبر الاكتتابات الاولية. وبينت البيانات ان الفارق بين القيمة السوقية للشركات الخارجة وتلك الداخلة يعكس خللا هيكليا في جاذبية السوق. واشار مراقبون الى ان استمرار تدفقات الاموال خارج الصناديق المحلية عزز من توجه مديري الاصول نحو الموافقة على عروض الشراء لضمان تحقيق عوائد فورية للمساهمين.
واوضح الخبراء ان التحديات لا تتوقف عند حدود سوق المال بل تمتد لتشمل الاقتصاد البريطاني ككل الذي بدأ يفقد ادواته التمويلية الاساسية. واضافوا ان الفارق الضريبي خاصة ضريبة الدمغة المفروضة على شراء الاسهم البريطانية مقارنة بالاعفاءات في اسواق اخرى يمثل عائقا تنافسيا كبيرا. وشدد التقرير على ان غياب الحوافز الضريبية يجعل من الاسهم المحلية اقل جاذبية للمستثمرين الذين يبحثون عن بيئة استثمارية منخفضة التكاليف.
وختمت التحليلات بان مستقبل بورصة لندن مرهون بقدرة الحكومة على تنفيذ اصلاحات جذرية تعيد الثقة للمستثمرين وتحد من نزيف الشركات المدرجة. واكدت ان المنافسة الشرسة مع الاسواق الامريكية تفرض تحديا وجوديا يتطلب حلولا مبتكرة لرفع التقييمات وجذب شركات جديدة. وبينت ان نجاح هذه الجهود قد يغير مسار التراجع الحالي ويحول السوق البريطانية مجددا الى وجهة مفضلة للاستثمارات طويلة الامد بدلا من ان تكون مجرد مخزن للشركات التي تنتظر دورها في الاستحواذ.
