تشهد المدن الروسية مؤشرات مقلقة مع تصاعد اعمدة الدخان فوق مصفاة كابوتنيا النفطية في موسكو، حيث تحولت ازمة الوقود من مشكلة اقليمية محدودة الى معضلة وطنية تؤرق المواطنين وتعرقل الحركة في واحدة من اكبر الدول المصدرة للطاقة عالميا. واصبح مشهد طوابير السيارات الطويلة امام محطات الوقود دليلا دامغا على حجم الاختلالات التي تضرب مفاصل الاقتصاد الروسي، مما يعكس تداعيات الحرب المستمرة منذ سنوات وتأثيرها المباشر على حياة السكان اليومية.
واضاف محللون ان فترة التقاط الانفاس التي حظي بها الاقتصاد الروسي بفضل تقلبات اسعار النفط العالمية قد ولت، خاصة بعد انتهاء فترات تخفيف العقوبات وتراجع تدفقات البترودولار، مما وضع موسكو امام تحديات حقيقية تتعلق بضعف القدرة الانتاجية المحلية وعجز المصافي عن تلبية احتياجات السوق الداخلية التي تعاني من نقص حاد في البنزين والديزل.
وبينت تقارير ميدانية ان الازمة لم تعد مقتصرة على العاصمة، اذ حذر مسؤولون في شبه جزيرة القرم السكان من نفاذ الوقود، مع اعتماد نظام القسائم الرقمية ورموز الاستجابة السريعة لتنظيم التوزيع، في صورة تعيد للاذهان ذكريات العجز السلعي في الحقبة السوفيتية، حيث يواجه السائقون قيودا صارمة على كميات الوقود المسموح بها اسبوعيا.
انحسار معدلات التكرير وتأثير الهجمات
واظهرت بيانات شركة انيرجي انتليجنس تراجعا حادا في معدلات تكرير النفط داخل المصافي الروسية لتهبط الى ادنى مستوياتها منذ اكثر من عقدين، نتيجة لتعطل ثلث الطاقة التكريرية بسبب الهجمات المستمرة بالمسيّرات، مما دفع كبرى شركات النفط الى فرض قيود توزيع صارمة في اكثر من خمس وعشرين منطقة روسية تشمل مراكز حيوية مثل موسكو وسانت بطرسبرغ.
واكد خبراء الطاقة ان تداعيات النقص امتدت لتشمل قطاعات استراتيجية اخرى، حيث تعاني المطارات من شح في الكيروسين اللازم للطيران، بينما يواجه المزارعون في مناطق جنوب روسيا ونهر الفولغا صعوبات بالغة في الحصول على الديزل، مما يهدد الانتاج الزراعي في وقت يصارع فيه الاقتصاد المحلي للتعافي من الانكماش المسجل في الناتج المحلي الاجمالي.
واوضح تقرير صادر عن معهد كيل للاقتصاد العالمي ان النموذج الاقتصادي القائم على الدعم الحكومي المكثف لم يعد مستداما، لا سيما مع استنزاف احتياطيات صندوق الثروة السيادي وتزايد الانفاق العسكري الذي يلتهم نحو اربعين بالمائة من موازنة الدولة، مما يضع موسكو في مواجهة مباشرة مع مرحلة نهائية صعبة لاقتصادها.
ازمة العمالة والفجوة التكنولوجية
وكشفت التحليلات ان انخفاض معدلات البطالة في روسيا لا يعود لنمو اقتصادي حقيقي، بل هو انعكاس لنقص حاد في القوى العاملة بسبب شيخوخة السكان واستنزاف الحرب للايدي العاملة الشابة، وهو ما يعمق الفجوة التكنولوجية في ظل اعتماد متزايد على الشراكات مع بكين، كما يتضح في هيمنة السيارات الصينية على الاسواق الروسية كبديل للعلامات التجارية المحلية.
وشدد خبراء الاقتصاد على ان البنك المركزي الروسي بات مقيدا في خياراته، حيث يضطر لرفع اسعار الفائدة باستمرار لكبح التضخم المتصاعد، مما يقلص فرص الاستثمار ويخنق النشاط التجاري، وسط غياب اي مؤشرات حقيقية على تحقيق نمو مستدام في ظل الظروف الراهنة التي تفرض ضغوطا هائلة على الميزانية العامة.
واشار مراقبون الى ان الرهان الروسي على استعادة عافية الاقتصاد لا يزال يفتقر الى اسس واقعية، حيث تواجه الدولة تحديات مزدوجة تتمثل في تراجع عوائد الطاقة وتآكل السيولة النقدية، مما يجعل من الصعب الاستمرار في تمويل المشروعات الكبرى والالتزامات العسكرية دون التضحية بمستويات المعيشة والخدمات العامة في المستقبل القريب.
