شكلت احداث عام 1948 نقطة تحول جذرية في تاريخ مدينة القدس، حيث لم تقتصر التبعات على الجانب السياسي فحسب، بل امتدت لتطال الجغرافيا والديموغرافيا وهويتها الوطنية وحياة سكانها الفلسطينيين بشكل عميق. ومع سقوط الشطر الغربي تحت السيطرة الاسرائيلية، خسر المقدسيون عشرات القرى والاحياء التاريخية والمؤسسات التي كانت تمثل العمود الفقري للمدينة، مما فرض واقعا مريرا عبر الخط الاخضر الذي مزق اوصال العائلات وفصلها عن املاكها واصولها.

واضاف المحاضر في العلوم السياسية منصور النصاصرة ان المرحلة الممتدة بين النكبة والنكسة شهدت محاولات حثيثة لتشكيل القدس الشرقية كمركز حضري فلسطيني بديل، قبل ان تكتمل فصول الاحتلال عام 1967 وتشرع اسرائيل في تنفيذ سياسات ممنهجة تهدف الى محو الحدود الفاصلة بين شطري المدينة. وبين ان المجتمع الدولي عبر قرارات الامم المتحدة لا يعترف بهذه التغييرات، مؤكدا انها غير شرعية وتخالف القانون الدولي وتشكل عائقا امام اي سلام عادل.

واكد النصاصرة ان تقسيم القدس عام 1949 بموجب اتفاقيات الهدنة كان تقسيما استعماريا فرض قيودا قاسية على السكان، حيث لم يتبق تحت الادارة الاردنية سوى جزء يسير من مساحة المدينة التاريخية. واشار الى ان الكثير من المهجرين من غربي القدس والمدن الفلسطينية الاخرى نزحوا الى الشطر الشرقي، مما جعل احياء مثل الشيخ جراح شاهدة على فصول التهجير المستمرة.

بوابة الدموع ورمزية التجزئة

وبين ان انشاء بوابة مندلبوم عقب النكبة كان يهدف الى عزل الشطرين بشكل تام، حيث تحولت هذه النقطة الى حدود عسكرية تفصل بين الاردن واسرائيل. واوضح ان الفلسطينيين اطلقوا عليها اسم بوابة الدموع، نظرا لما شهدته من لقاءات مؤلمة بين العائلات المشتتة تحت اشراف دولي، مما جعلها رمزا حيا لتجزئة المدينة واغتراب سكانها.

واضاف ان فقدان الشطر الغربي حرم الفلسطينيين من مؤسساتهم التاريخية ومدارسهم ومرافقهم الحيوية، مما خلق خللا بنيويا في التطور الحضري للجانب الشرقي الذي افتقر حينها للامكانيات اللازمة. وشدد على ان تلك الحقبة كانت مليئة بالتحديات، حيث سعى المقدسيون للحفاظ على بقاء المدينة وادارتها ذاتيا تحت ظروف استثنائية.

وكشف ان فترة الادارة الاردنية شهدت نهضة عمرانية لافتة، حيث تولت شخصيات مقدسية بارزة ادارة شؤون المدينة وبناء المرافق العامة والفنادق والمطار الدولي. واوضح ان هذا التطور الحضري السريع توقف بعد احتلال الشطر الشرقي، لتبدأ مرحلة جديدة من الضم القسري الذي استهدف تغيير وجه المدينة بالكامل.

سياسات التهويد ومحو الخط الاخضر

واكد الباحث ان السنوات التي تلت عام 1967 كانت مصيرية في ترسيخ سياسة الامر الواقع، حيث عمد الاحتلال الى هدم الاحياء الملاصقة للمسجد الاقصى وتغيير معالم البلدة القديمة. واضاف ان نقل المؤسسات الاسرائيلية الرسمية والمقرات الاستيطانية الى شرقي المدينة كان خطوة استراتيجية لفرض السيادة الاسرائيلية وتعميق الوجود الاستيطاني.

وبين ان المشاريع العمرانية مثل القطار الخفيف، وبناء المستوطنات، وتسمية الشوارع باسماء عبرية، جاءت ضمن خطة شاملة لطمس الخط الاخضر. واوضح ان الاحتلال حرص على رفع اعداد المستوطنين في شرقي القدس بشكل غير مسبوق، مستغلا ادوات التخطيط العمراني لربط المستوطنات وتفتيت الاحياء الفلسطينية.

واضاف ان سياسة بناء النصب التذكارية لجنود الاحتلال في المناطق الحساسة، ومنع المقابل الفلسطيني، تعكس رغبة في اعادة كتابة التاريخ والجغرافيا وفق الرواية الصهيونية. وشدد على ان هذه الاجراءات تهدف الى اضعاف الرابط التاريخي بين الفلسطينيين وارضهم، وتحويل القدس الى مدينة ذات طابع استيطاني خالص.

صراع البقاء والذاكرة الحية

واوضح ان صمود المؤسسات الفلسطينية مثل وكالة الاونروا ومدرسة عبد الله بن الحسين يمثل شوكة في حلق المخططات الاستيطانية. واضاف ان الاحتلال يسعى جاهدا لتقليص الوجود الفلسطيني في القدس الشرقية عبر التضييق المستمر ومحاولات الهدم المتكررة.

واكد ان الذاكرة الجمعية للمقدسيين تظل هي الحصن الاخير في مواجهة محاولات الطمس، حيث لا تزال الاجيال تتناقل حكايات البيوت والعقارات في الشطر الغربي. واختتم بالقول ان كل الادوات الاستعمارية لن تستطيع محو الحقيقة التاريخية، فالفلسطينيون متمسكون بحقهم وبذاكرتهم التي ترفض الانصياع لواقع فرضته القوة.