بقلم: عوني الرجوب / باحث وكاتب سياسي

ليس الأمر مجرد اسم مسرحية، وليس الجدل مجرد خلاف لغوي حول كلمة وردت في معجم. إن الأمر أخطر من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة جديدة وممنهجة لتمرير القبح تحت غطاء الأدب، وتجميل الرذيلة بمساحيق الثقافة، وإقناع الناس بأن العهر يمكن أن يكون فاضلا، وأن بيع الشرف يمكن أن يكون بطولة، وأن السقوط الأخلاقي يمكن أن يتحول إلى نضال إنساني.

في يوم السبت 18 أكتوبر 2026، وخلال ندوة أقيمت على هامش مهرجان الجونة السينمائي في دورته التاسعة، والتي امتدت من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، أعلنت الفنانة إلهام شاهين أنها تتمنى تقديم مسرحية "المومس الفاضلة" للكاتب الفرنسي جان بول سارتر على خشبة المسرح المصري.

ولكن ما هي حجة المسرحية أصلا؟

يقول أنصارها إن بطلتها رفضت أن تشهد زورا ضد رجل أسود بريء لصالح رجل أبيض قاتل، فصارت بذلك بطلة في نظرهم.

ونسأل هنا: وما لنا بالمومس التي رفضت شهادة الزور؟ هل موقف واحد عابر يغسل عار البغاء؟ وهل يمنح صاحبة الرذيلة صك الفضيلة؟

إن كانت قدوة، فهي قدوة العاهرات فقط. قدوة لمن اخترن بيع أجسادهن، لا قدوة لأمهاتنا وبناتنا وأخواتنا. لا يمكن أن تكون امرأة باعت عرضها مثلا يحتذى به لفتيات مصر، ولا يمكن أن يقال عنها إنها فاضلة وهي مقيمة على كبيرة من الكبائر.

نحن نأبى التطبيع مع الرذيلة، ولا خروج لها من مستنقعها. ومن يروّج لها ويدافع عنها فهو شريك فيها، ولا يُؤخذ منه حكم ولا حكمة. فلا تُؤخذ الحكمة من أهل البغاء، ولا تُستقى الموعظة من أهل الفاحشة. ومن العار أن تخرج إلهام شاهين على الإعلام العربي لتروّج لهذا الانحطاط اللاأخلاقي والمشين المحكوم بالعهر والبغاء.

ثم جاء التبرير الأشد وقاحة من الفعل نفسه: "الكلمة عربية فصحى، وموجودة في القواميس".

وهل الفصحى صارت مبررا للفحش؟ وهل وجود الكلمة في القاموس يجعلها مقبولة على الشاشة وفي الإعلام؟ إن اللغة العربية فيها أيضا كلمات للخمر والزنا والقتل والسرقة، فهل يبيح وجودها أن نروّج لها ونمجدها؟

لا والله، لا يوجد في شرع الله ولا في عُرف العرب ولا في مروءة المصريين شيء اسمه "مومس فاضلة" و"مومس غير فاضلة". المومسات هنّ عاهرات، باعت الواحدة منهن جسدها وشرفها. والزانية زانية، سواء قبضت مالا أم فعلت ذلك بالمجان بدافع شهوتها. الزنا زنا، والبغاء بغاء، والفضل لا يأتي من الفاحشة، ولو رفضت صاحبته شهادة الزور ألف مرة.

فمن هانت عليه كرامته وباع عرضه، كيف تُقبل شهادته؟ وكيف يكون قدوة؟ وكيف تكون فاضلة وهي مقيمة على كبيرة تُهدم بها الأسر وتضيع بها الأنساب وتفسد بها المجتمعات؟

مصر ليست بلدا عاديا. مصر هي أم الدنيا، ومصر هي الأزهر الشريف، ومصر هي التي صدرت العلم والدين والأخلاق للعالم كله. مصر أكبر من أن يخرج على إعلامها مثل هذا الكلام البذيء، من إلهام شاهين أو من غيرها، وتحت أي ذريعة.

إننا اليوم نمر بمرحلة تُحاك فيها الشبهات من كل اتجاه. إعلام رديء ممنهج مسيّس، يخدم أجندات الغرب، ويعمل ليلا ونهارا على طمس معالم المروءة والكرامة والشرف، وعلى جعل الحرام وجهة نظر، والرذيلة حرية شخصية، والفحشاء فنا.

الهدف ليس مسرحية واحدة. الهدف هو كسر الحياء، وتطبيع الفاحشة، وإسقاط الحواجز الأخلاقية التي تحفظ المجتمع المصري، وتمرير خطاب يصور الفضيلة على أنها نسبية، وأن الشرف مسألة شخصية، وأن الدين تشدد ورجعية. وهي نفس الأدوات التي استخدمها الغرب لتفكيك مجتمعاته، وها هم يريدون استيرادها إلى مصر تحت اسم الفن والتنوير.

لكن مصر ستبقى أكبر من كل هذا. مصر التي قال الله تعالى لأهلها: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، لن تقبل أن يُقال لها إن الزانية فاضلة.

فليتق الله من يتصدرون الشاشات. فإن كان الفن يريد أن يرفع الأمة، فليُظهر لنا الأم الفاضلة، والمعلمة الفاضلة، والطبيبة الفاضلة، والمجاهدة الفاضلة. أما أن يُبحث عن الفضيلة في مستنقع البغاء، فهذا ليس فنا، بل انحطاط.

هذا مرفوض جملة وتفصيلا، من البداية إلى النهاية، شكلا ومضمونا، اسما وقصة.