د. حازم قشوع

إذا كانت الجغرافيا هي صنع الله في الأرض، فإن التاريخ هو تدفق الفعل الإنساني في جغرافية الأرض، وهذا ما يجعل من التاريخ أداة تأثير، أما الجغرافيا فهي وعاء لحفظ الأثر ومكان مبين ،  فالمنطقة السياسية  تحدد المكان وجغرافيتها تبين موضوعيه المناخ السياسي لبوصله الانسان ، والتاريخ يسجل حركة الإنسان طبوغرافية المكان، وبين المكان والفعل تتشكل الدول وتبنى الحضارات وتصنع موازين القوة.

ومن هنا فإن الجغرافيا تمثل قدراً لا يختاره الإنسان، لكنها ليست قدراً ساكناً في معادلة السياسة، لأن الإنسان يستطيع أن يدير موقعه، ويحمي حدوده، ويعظم موارده، ويبني حوله شبكة من العلاقات والشراكات التي تجعل من الموقع الجغرافي قيمة سياسية واستراتيجية.

وأما التاريخ، فهو صناعة إنسانية متراكمة، لأن كل فعل يترك أثراً، وكل قرار ينتج معرفة، وكل إنجاز يتحول إلى لبنة في بناء الإنجاز اللاحق، ولهذا يصبح التاريخ المعادلة المعرفية التي نكتسب من خلالها مزيداً من الاكتساب، وتظهر قيمته عند إرساء معادلة تراكم الإنجاز.

وعلى هذا الأساس فإن الدولة لا تُقاس بجغرافيتها وحدها، ولا بتاريخها وحده، وإنما بقدرتها على الجمع بين المكان والزمان والفعل. فالجغرافيا تقول أين تقع الدولة، والتاريخ يقول ماذا صنعت الدولة في موقعها، والسياسة تقول كيف تحافظ الدولة على موقعها ومكتسباتها وتستثمرها في صناعة المستقبل. ومن هنا تصبح الجغرافيا قاعدة للاستراتيجية، ويصبح التاريخ قاعدة للمعرفة، ويصبح الإنجاز قاعدة للتراكم، وتصبح السياسة الأداة التي تصل بين هذه العناصر جميعاً.

ولذلك فإن الجغرافيا السياسية لم تعد مجرد قراءة للحدود والمواقع، وإنما أصبحت قراءة للممرات والمعابر ومصادر الطاقة وشبكات التجارة ومجالات الأمن وموازين النفوذ. فالموقع الذي يقع عند تقاطع هذه العناصر يصبح جزءاً من منظومة أكبر من حدوده، ويصبح أمنه مرتبطاً بما يجري حوله، كما يصبح استقراره عاملاً في استقرار محيطه. وهنا تتحول الجغرافيا من مجرد مكان إلى وظيفة، ومن مجرد حدود إلى دور، ومن قدر جغرافي إلى قيمة استراتيجية يمكن للدولة أن تديرها وتحميها وتوظفها.

ومن هذه الزاوية تأتي خصوصية الأردن، الذي لم يختر موقعه الجغرافي، لكنه استطاع عبر تاريخه أن يبني من موقعه وظيفة سياسية واستراتيجية. فالأردن يقع في قلب المشرق العربي، ويتصل ببلاد الشام والجزيرة العربية والعراق وفلسطين، ويطل على البحر الأحمر من خلال العقبة، ويقع في منطقة تتقاطع فيها ملفات الأمن والطاقة والممرات التجارية والقضية الفلسطينية والأمن الإقليمي. ولذلك فإن الجغرافيا الأردنية لا يمكن التعامل معها باعتبارها حدوداً فقط، وإنما باعتبارها منظومة أمنية وسياسية متكاملة، تحتاج إلى إدارة مستمرة وإلى شبكة من العلاقات والشراكات التي تحميها وتوسع مجال حركتها.

وهنا تبرز هندسة الجغرافيا السياسية الأردنية التي يقودها الملك عبدالله الثاني، والتي تقوم على صيانة الموقع الأردني وموروثه المكتسب، والمحافظة على قدرة الدولة على الحركة في بيئة إقليمية شديدة التغير. فالمطلوب ليس تغيير الجغرافيا، لأنها قدر، وإنما حماية آثارها ووظيفتها، وليس إعادة صناعة التاريخ، وإنما البناء على تراكماته وتحويله إلى معرفة حاضرة تساعد الدولة على مواجهة المتغيرات وصناعة خياراتها.

ومن هنا يمكن قراءة الشراكات الدفاعية والسياسية التي يعمل الأردن على توسيعها باعتبارها جزءاً من هندسة أمنه الوطني والإقليمي. فالشراكة الأردنية الأميركية التي تعززت بإطار مذكرة التفاهم الدفاعية الموقعة عام 2022، ثم اتفاق التعاون الدفاعي مع فرنسا الذي وقع في باريس في 17 أيلول الحالي، لا تأتي في سياق منفصل عن حاجة الأردن إلى تطوير منظومته الدفاعية وتوسيع شبكة الشراكات التي تستند إليها في حماية أمنه ومصالحه. وقد أكد جلالة الملك خلال لقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أهمية الاتفاق الدفاعي في البناء على التنسيق القائم لحماية الأمن المشترك ودعم جهود تحقيق الاستقرار الإقليمي.

ثم جاءت محطة التشيك لتأخذ هذه المعادلة من مستوى الشراكة السياسية إلى مستوى المعرفة والتكنولوجيا والقدرة الدفاعية، حيث بحث جلالة الملك في براغ توسيع التعاون وتبادل الخبرات، بالتزامن مع اهتمام الأردن بتطوير قدراته الدفاعية والتعامل مع التحديات الأمنية الجديدة. وقد شدد جلالته خلال لقاءاته في براغ على أهمية استمرار التعاون والخبرات في القطاعات الحيوية، وعلى ضرورة تكثيف الجهود الدولية لخفض التصعيد واللجوء إلى الدبلوماسية والحوار للوصول إلى حلول مستدامة للأزمات.

وهنا تظهر قيمة التوقيت، فهذه التحركات الأردنية تأتي قبل وصول جلالة الملك إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث سيلقي خطاب الأردن ويعقد سلسلة من اللقاءات مع قادة الدول ورؤساء الوفود المشاركين. وتبدأ المناقشة العامة في 22 أيلول وتمتد حتى 26 أيلول، في لحظة دولية وإقليمية تتداخل فيها ملفات الحرب والأمن والطاقة والممرات البحرية والقضية الفلسطينية ومستقبل النظام الإقليمي.

وهذا يجعل مشاركة الأردن في اجتماعات الجمعية العامة لهذا العام تتجاوز الحضور البروتوكولي، لأنها تأتي في توقيت يجري فيه البحث عن ترتيبات جديدة للأمن الإقليمي. فالأردن، بحكم موقعه وعلاقاته ودوره، معني بأن يكون حاضراً في النقاشات التي تتصل بمستقبل المنطقة، لا باعتباره متلقياً للتحولات فقط، وإنما باعتباره دولة لها مصلحة مباشرة في صياغة بيئة إقليمية أكثر أمناً واستقراراً. ومن هنا يصبح الحضور الأردني في نيويورك امتداداً طبيعياً لهندسة الجغرافيا السياسية، لأن حماية الموقع تبدأ من معرفة كيفية إدارة موقعه داخل النظام الدولي.

وتتضح أهمية ذلك أكثر في ظل ما تشهده المنطقة من إعادة ترتيب لمعادلات الأمن، من الخليج إلى البحر الأحمر وباب المندب وبلاد الشام، ومن فلسطين والقدس إلى لبنان. فالممرات البحرية لم تعد قضية اقتصادية فقط، والأمن الخليجي لم يعد ملفاً منفصلاً عن الأمن العربي، وما يجري في لبنان وسورية وفلسطين لا يمكن فصله عن منظومة أمن المشرق العربي. ولذلك فإن الأردن يجد نفسه أمام ضرورة المشاركة في صياغة أمن المنطقة، لأن أمنه الوطني يتقاطع بصورة مباشرة مع أمن محيطه.

وفي هذا السياق تكتسب مشاركة الأردن في مسار العقبة أهمية إضافية، خصوصاً أن الجولة الأخيرة التي استضافتها باريس شارك فيها جلالة الملك إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني جوزيف عون، وتركزت على دعم الجيش اللبناني وترتيبات الأمن في جنوب لبنان مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل. كما شارك في اللقاء رؤساء أركان ومسؤولون أمنيون من عدد من الدول، بما يؤكد أن المسار الأردني لم يعد مقتصراً على القضايا الثنائية، وإنما أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول هندسة الأمن الإقليمي.

ومن هنا يمكن فهم معنى أن يشارك الأردن في صياغة أمن المنطقة، فالمشاركة لا تعني امتلاك القرار وحده، وإنما تعني أن يكون للأردن حضور في صناعة التفاهمات التي تمس أمنه وأمن محيطه. وهذا الدور يستند إلى موروث سياسي ودبلوماسي طويل، وإلى شبكة من العلاقات التي راكمتها الدولة الأردنية، وإلى موقع يجعل استقرارها مصلحة تتجاوز حدودها الوطنية.

إن اجتماع الجغرافيا مع التاريخ في الحالة الأردنية ينتج معادلة واضحة: الأردن لا يستطيع أن يغير موقعه، لكنه يستطيع أن يؤمنه؛ ولا يستطيع أن يعيد كتابة تاريخه، لكنه يستطيع أن يوظف خبرته؛ ولا يستطيع أن يمنع التحولات الإقليمية، لكنه يستطيع أن يكون حاضراً في صياغة الاستجابات لها. وهذه هي جوهر هندسة الجغرافيا السياسية، أي الانتقال من التعامل مع الموقع باعتباره قدراً إلى التعامل معه باعتباره مسؤولية استراتيجية.

ولهذا فإن حركة جلالة الملك بين باريس وبراغ ونيويورك تحمل في توقيتها دلالة تتجاوز الجغرافيا المباشرة للزيارة،
لأنها تجمع بين الدفاع والدبلوماسية والمعرفة والتكنولوجيا والحضور الدولي. فباريس تفتح مساراً دفاعياً وسياسياً، وبراغ تفتح مساراً للخبرة والتكنولوجيا والقدرات، ونيويورك تفتح المجال للمشاركة في النقاش الدولي الأوسع حول مستقبل المنطقة. وبين هذه العواصم الثلاث تتحرك الجغرافيا الأردنية من موقع ثابت إلى دور متحرك.

وفي هذه اللحظة الإقليمية المفصلية، يصبح الأردن معنياً بأن يحافظ على موروثه المكتسب، وأن يوسع شبكة شراكاته، وأن يطور منظومته الدفاعية، وأن يحضر في صياغة التفاهمات الإقليمية والدولية التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة. فالمستقبل لا تحدده الجغرافيا وحدها، ولا يحدده التاريخ وحده، وإنما تحدده قدرة الدولة على الجمع بين موقعها وخبرتها وفعلها السياسي.

وهنا يعود بنا المعنى إلى البداية التى تبين  الجغرافيا قدرية لأنها المكان الذي وضع الله فيه الإنسان، أما التاريخ فهو صناعة إنسانية لأنه الأثر الذي يتركه الإنسان في ذلك المكان. وبين قدر الجغرافيا وصناعة التاريخ تتحرك الدولة الأردنية، فتقرأ موقعها، وتحمي حدودها، وتصون موروثها، وتبني شراكاتها، وتشارك في صياغة أمن محيطها. ومن هنا فإن الأردن وهندسة الجغرافيا السياسية ليستا عنواناً لموقع على الخريطة، وإنما عنواناً لفعل سياسي مستمر يحول الموقع إلى دور، والتاريخ إلى معرفة، والشراكات إلى شبكة أمان، والدور الأردني إلى مساهمة في صناعة أمن المنطقة ومستقبلها.