كشفت تقارير تحليلية حديثة عن تحول جذري في الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية، حيث ادى السعي المحموم نحو ما يسمى بالنصر الكامل الى ادخال الدولة في دوامة من الحروب المفتوحة التي لا تنتهي. واظهر الباحثان عمير فاخوري وميرون رابابورت ان هذه المقاربة لم تعد تكتفي بمواجهة التهديدات الراهنة، بل تحولت الى نهج يعتمد على التدمير الشامل للبنى التحتية وتهجير السكان، مما يضع المجتمع الاسرائيلي امام انحدار اخلاقي وتآكل مستمر في الشرعية الدولية. واكد الخبراء ان هذا التحول يعكس تخليا تاما عن الحلول السياسية لصالح خيار عسكري دائم ومستمر.
تحولات في العقيدة القتالية نحو الدمار
وبين المقال ان تسميات العمليات العسكرية الاخيرة، مثل العملية التي اطلق عليها اسم الظلام الابدي في لبنان، تشير الى تغير نوعي في العقلية العسكرية التي كانت في السابق تختار عناوين توحي بالصمود او الدفاع. واضاف الباحثان ان الاهداف لم تعد عسكرية بحتة، بل اصبحت تستهدف محو الوجود المدني واقامة مناطق عازلة دائمة عبر هدم المنازل ومنع عودة النازحين. واشار وزير الدفاع يسرائيل كاتس في تصريحاته الى ان مئات الالاف من سكان جنوب لبنان لن يسمح لهم بالعودة الى قراهم، وهو ما يكرس سياسة التهجير القسري الممنهج.
انهيار مفهوم ادارة الصراع
واوضح المحللون ان سياسة ادارة الصراع التي انتهجتها اسرائيل لعقود عبر الحصار والقصف المتقطع قد انهارت تماما بعد احداث السابع من اكتوبر. واكدوا ان بنيامين نتنياهو تبنى شعار النصر الكامل كغطاء لتدمير واسع النطاق، وهو ما اعتبره المراقبون جزءا من توجه عام داخل المؤسسة العسكرية والسياسية. واضاف الباحثون ان اسرائيل تحاول الان فرض واقع جديد عبر القوة المفرطة، متجاهلة ان هذا المسار يولد تهديدات وجودية جديدة ويجعل الامن حالة مستحيلة التحقق.
حرب بلا سقف سياسي
وشدد التقرير على ان اسرائيل وسعت نطاق عملياتها لتشمل سوريا واليمن وايران، في اطار ما وصفوه بحرب دائمة بلا سقف قانوني او سياسي. وبين الكاتبان ان الهجوم على ايران لم يحقق اهدافه الاستراتيجية، بل ادى الى مأزق سياسي وعسكري معقد. واضافا ان هناك مخاوف من ان تستمر هذه السياسات في خلق اعداء جدد، حيث اشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الى ان اسرائيل تبدو عاجزة عن العيش دون اختلاق عدو دائم لها.
تصدع الجبهة الداخلية
وكشفت استطلاعات الراي الاخيرة عن وجود شرخ عميق في وعي الجمهور الاسرائيلي، حيث اظهرت بيانات القناة 13 ان نسبة ضئيلة فقط تؤمن بانتصار اسرائيل في الحروب الاخيرة. واضاف التقرير ان تراجع الدعم الدولي، لا سيما داخل الولايات المتحدة، يفرض ضغوطا متزايدة قد تحد من قدرة تل ابيب على الاستمرار في هذا النهج. واكد الباحثان في ختام تحليلهما ان الخروج من هذا الفراغ الاستراتيجي يتطلب تغييرا جذريا في الوعي السياسي الداخلي والاعتراف بضرورة التسوية بدلا من وهم السيطرة المطلقة.
